محمود طرشونة ( اعداد )
65
مائة ليلة وليلة
هوميروس ببحثه عن زوجته في عوالم خفيّة . ولمّا كانت الحكاية « حلما جماعيا » فإنّ الجماهير والرواة يشتركون في الحلم بالثروة بطرق سهلة كالكيمياء أو اكتشاف كنوز في خبايا الأرض بواسطة فكّ الطلاسم أو بالعثور - صدفة - على مدن ميّتة يتوغّل فيها أشخاص الحكاية وراويها وجمهورها ليغرفوا من جواهرها وأكداس يواقيتها ويتمتّعوا بفرشها الوثيرة وديباجها وترفها ويتلذذوا بثمارها وعيونها وخمورها وجمال جواريها . « 139 » فالحكاية فردوس الجماهير المفقود في الحياة اليوميّة . ولا شكّ أنّ المنطلق فيها واقعي لكنّ الخيال يضخّمه . فهذه الكنوز التي يجدها أشخاص الحكاية وهؤلاء الأموات الذين يبدون نائمين ، وهذه القصور ذات الأعمدة من الرخام ، كلّها من تأثير مشاهدات الناس لآثار الحضارات القديمة كمعابد بابل وفارس والهند وأهرام مصر ومسارح قرطاج والجمّ وبعلبك وتدمر وغيرها . فهي صور حيّة يتناولها الخيال فيجعلها في متناول المسافر ويعمّرها بما يشتهيه المسافر والراوي والسامع ولم يستطيعوا تحقيقه . لذلك كثر الحديث في جميع هذه الحكايات عن مآدب « يأكل فيها الناس حاضرة وبادية » وتتنوّع فيها الأطعمة وتذبح أغنام وأبقار وتسكب خمور ويغرّد الطير على الأغصان . ولذلك أيضا تنتهي كلّ حكاية بنهاية سعيدة يعيش فيها البطل « في أكل هني وشرب روي حتى يأتيه اليقين والحمد الله رب العالمين » فكأنّ الراوي تناول من ذلك الأكل الهني والشرب الروي فحمد الله رب العالمين وحمده معه جمهوره من السامعين على ما أتيح لهم من التمتّع - ولو عن طريق الخيال - بتلك الملذّات . فجمهور الحكايات إذن شعوب تسعى إلى كسب القوت فلا تكسبه دائما ، وتطمح إلى العدالة فلا تجدها دائما . فيحدّثها الرواة عن « ملوك عادلين ، يحسنون السيرة في الرعيّة » . فتصبح الحكاية بذلك وسيلة
--> ( 139 ) انظر حكايات « جزيرة الكافور » ، و « الوزير وابنه » ، و « الأربعة رجال مع هارون الرشيد » .